بعض الشعراء الشباب لم يكتفوا بالتفاعل مع التيارات العربية الحديثة، بل انفتحوا على منجزات الشعر العالمي عبر الترجمة والدراسة والاطلاع على الأدب الحديث، فبرزت في نصوصهم ملامح مستمدة من الحداثة الشعرية العالمية، مثل تكثيف الرمز، وتفكيك البنية التقليدية للقصيدة، والاهتمام بالبعد الإنساني والوجودي، وتجريب أشكال تعبيرية جديدة كقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.
يعالج هذا الكتاب، الذي شكل إضافة نوعية للمكتبة الموريتانية، قضية نقدية مهمة، تتمثل في رصد مظاهر تداخل التيارات الشعرية العربية الحديثة داخل التجربة الشعرية الموريتانية، والكشف عن أثرها في تشكيل ملامح القصيدة الحديثة في موريتانيا. وقد بذل المؤلف جهدا واضحاً في تتبع هذه التيارات وتحليل تجلياتها في النصوص الشعرية، معتمداً على مادة أدبية واسعة ورؤية تسعى إلى إبراز موقع الشعر الموريتاني ضمن حركة الشعر العربي المعاصر.
غير أن الحديث عن تفاعل الشعر الموريتاني مع التيارات الشعرية العربية الحديثة لا ينبغي أن يفهم على أنه ظاهرة مستجدة ارتبطت فقط بفترة النهضة أو بمرحلة ما بعد الاستقلال إذ التأثر والتفاعل مع الأدب العربي يمثلان سمة أصيلة في التجربة الشعرية الموريتانية منذ نشأتها. يكشف الديوان الموريتاني التقليدي عن حضور واضح للنماذج الشعرية العربية الكبرى، لاسيما الشعر الجاهلي والأموي والعباسي، وإن تفاوتت درجات هذا الحضور من عصر إلى آخر. وقد تشكل هذا الارتباط عبر منظومة التعليم "المحظري" التي جعلت من حفظ الشعر العربي وروايته ودراسته جزء أساسيا من التكوين العلمي والأدبي، مما أتاح للشعراء الموريتانيين استيعاب الخصائص الفنية واللغوية للقصيدة العربية الكلاسيكية وإعادة إنتاجها في بيئتهم الثقافية المحلية.
من ثم، فإن التفاعل مع الأدب العربي لم يكن طارئا على الشعر الموريتاني، بل كان مكونا بنيويا من مكونات تكوينه الفني والثقافي. وعندما جاءت مرحلة النهضة العربية ثم مرحلة ما بعد الاستقلال، لم يكن الشعر الموريتاني يكتشف علاقته بالفضاء الأدبي العربي لأول مرة، وإنما كان ينتقل من التأثر بالنماذج التراثية الكلاسيكية إلى التفاعل مع المدارس والتيارات الحديثة التي حملتها حركة التجديد في المشرق العربي، خاصة مع توسع التعليم النظامي وابتعاث الطلاب إلى البلدان العربية، فضلا عن الامتداد التاريخي للعلاقات العلمية والثقافية التي أسسها العلماء "الشناقطة" في المشرق عبر قرون طويلة من التواصل العلمي والأدبي.
كما أن بعض الأصوات الشعرية الموريتانية الشابة لم تكتف بالتفاعل مع التيارات العربية الحديثة، بل انفتحت بدرجات متفاوتة على منجزات الشعر العالمي المعاصر عبر الترجمة والدراسة والاطلاع على الآداب الأجنبية. وقد انعكس ذلك في توظيف بعض التقنيات والأساليب المرتبطة بالحداثة الشعرية العالمية، مثل:
ـ تكثيف الرمز،
ـ توسيع آفاق الصورة الشعرية،
ـ تجاوز بعض البنى التقليدية للقصيدة،
ـ الانشغال بالقضايا الإنسانية والوجودية ذات الطابع الكوني.
غير أن هذا التأثر العالمي يرتبط في كثير من الأحيان بالنظير العربي الحديث، مما يجعل من الضروري التمييز بين التأثر المباشر بالمصادر العالمية والتأثر غير المباشر عبر التجارب الشعرية العربية الحديثة.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن قيمة الدراسة لا تكمن في إثبات وجود التأثر بالتيارات الحديثة - فهذا أمر تؤكده طبيعة الحركة الأدبية نفسها - وإنما تكمن في محاولة تتبع مظاهر هذا التأثر وآليات تمثله داخل الشعر الموريتاني الحديث. ولعل ما يستحق مزيدا من العناية هو إبراز الامتداد التاريخي لهذه الظاهرة، والنظر إلى التفاعل مع التيارات الحديثة بوصفه حلقة من حلقات مسار طويل من التواصل الثقافي والأدبي، لا نقطة بداية لهذا التفاعل.
وبالطبع فإن هده الملاحظات، مستوحاة من الرحابة العلمية للدراسة وما تمنحه من إمكانات الغوص ومن الجهد البحثي الذي بذله الدكتور محمد محفوظ بجدارة في جمع المادة وتحليلها واستنطاق النصوص الشعرية. ولقد نجح في تسليط الضوء على جانب مهم من تطور الشعر الموريتاني الحديث، وأسهم في إثراء الدرس النقدي الموريتاني من خلال معالجة موضوع يتسم بالأهمية و"الحيوية". وإذا كانت بعض القضايا المطروحة تظل قابلة للمراجعة أو التوسيع أو إعادة النظر من زوايا أخرى، فإن ذلك يدخل في صميم الحوار العلمي الذي تنهض به الدراسات الجادة وتستدعيه بطبيعتها.
حول كتاب "تداخل تيارات الشعر العربي الحديث: الشعر الموريتاني نموذجا" / الولي سيدي هيبه

