إسماعيل عيد يكتب .. القرآن حصانة للإنسان من الأفكار الهدامة

إسماعيل عيد يكتب .. القرآن حصانة للإنسان من الأفكار الهدامة

في عصر تتسارع فيه المتغيرات الفكرية والثقافية، وتتدفق المعلومات والأفكار من كل اتجاه، يواجه الإنسان تحديات غير مسبوقة تهدد استقراره الفكري والنفسي، وتضعه أمام موجات متلاحقة من الشكوك والتصورات المتناقضة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مرجعية ثابتة تحفظ للإنسان توازنه وتحميه من الانجراف خلف الأفكار الهدامة، ولا توجد مرجعية أسمى وأصدق من القرآن الكريم الذي أنزله الله هداية ورحمة للعالمين.
ومن خلال الاطلاع على مؤلفات المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، تتضح رؤية فكرية عميقة تؤكد أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الإنسان المعاصر ليست أزمة تقدم علمي أو تطور حضاري، وإنما أزمة وعي بحقيقة وجوده ورسالة حياته. فالإنسان كلما ابتعد عن المنهج الإلهي فقد البوصلة التي توجهه نحو الحق والخير والعدل.
لقد وجد الفكر الإلحادي عبر التاريخ مساحة للانتشار بسبب ارتباط كثير من القضايا الكبرى بعالم الغيب الذي لا تدركه الحواس. فالله سبحانه وتعالى غيب، والآخرة غيب، والمستقبل غيب، وهي أمور لا يمكن إخضاعها للتجربة المادية المباشرة. واستغل أصحاب الفلسفات المادية هذا الأمر في نشر أفكار تنكر البعد الروحي للإنسان، وتحصر وجوده في إطار المادة والمصلحة والمنفعة الآنية.
ومع مرور الزمن، ترسخت لدى بعض المجتمعات مفاهيم مادية جعلت النجاح مرادفًا للثروة والقوة، وأصبح التنافس على المصالح الدنيوية هدفًا في حد ذاته، حتى غابت عن كثير من الناس القيم الإنسانية السامية التي تقوم على الرحمة والتكافل والعدل والإحسان.
وفي ظل هذه الرؤية المادية الضيقة، تصاعدت النزاعات بين الدول والشعوب، وتحولت خيرات الأرض إلى أسباب للصراع بدل أن تكون وسائل للتعاون والبناء. ولم يعد الإلحاد مجرد رأي فردي، بل نشأت له مدارس فكرية واتجاهات فلسفية تسعى إلى استبعاد الإيمان من حياة الإنسان، وتقديم المادة باعتبارها التفسير الوحيد للوجود.
غير أن المشكلة لم تكن يومًا في العلم ذاته، فالعلم الحقيقي يكشف للإنسان سنن الله في الكون ويفتح أمامه آفاق المعرفة والاكتشاف، وإنما تكمن المشكلة في تحويل العلم إلى بديل عن الإيمان، وفي الاعتقاد بأن ما لا تستطيع أدوات العلم قياسه أو مشاهدته لا وجود له.
ومن هنا تتجلى أهمية الرسالة الفكرية التي يطرحها المفكر الاستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في مؤلفاته، حيث يؤكد أن القرآن الكريم هو المرجعية الكبرى التي تعيد للإنسان توازنه النفسي والفكري، وتجيب عن الأسئلة الوجودية التي عجزت الفلسفات المادية عن تقديم إجابات مقنعة لها.
فالقرآن الكريم لا يصادر العقل ولا يعارض التفكير، بل يدعو الإنسان إلى التأمل والتدبر والنظر في ملكوت السماوات والأرض، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الإيمان والعلم، وبين الروح والمادة، وبين متطلبات الدنيا والاستعداد للآخرة. كما يقدم منظومة أخلاقية متكاملة تحفظ كرامة الإنسان وتصون المجتمع من الانهيار القيمي.
إن مواجهة السموم الفكرية التي انتشرت في عالمنا المعاصر لا تتحقق بالانعزال عن الواقع أو الخوف من المعرفة، وإنما تتحقق بالوعي المستنير والعودة الصادقة إلى كتاب الله، وفهم رسالته الإنسانية العظيمة، واستلهام القيم التي جاء بها القرآن الكريم من عدل ورحمة وإحسان وتسامح.
فالقرآن الكريم ليس كتاب عبادات فحسب، بل هو منهج حياة متكامل، ودستور أخلاقي وإنساني، وحصن فكري يحمي الإنسان من الضياع والانحراف، ويقوده إلى الطمأنينة والسكينة ومعرفة الغاية الحقيقية من وجوده. ومن يتمسك بهذا النور الإلهي يملك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين العلم النافع والأفكار التي تسعى إلى إبعاد الإنسان عن فطرته وقيمه، ليظل ثابتًا في مواجهة التحديات الفكرية مهما تنوعت أشكالها وتعددت مصادرها.