في مسيرة الإدارة الموريتانية أسماءٌ لا تحتاج إلى كثير من الضجيج كي تثبت حضورها؛ يكفيها ما تركته من أثر في مواقع المسؤولية، وما راكمته من تجربة، وما عرفه عنها الناس من اتزان وحكمة وقدرة على إدارة الملفات بعيداً عن الانفعال. ومن هذه القامات الوطنية يبرز الوزير والإداري السابق جالو أبو موسى، الذي امتدت تجربته إلى عدد من ولايات الوطن، وخاصة مناطق الشرق الموريتاني، حيث ترك بصمات في العمل الإداري والحكومي، وظل اسمه مرتبطاً بصورة المسؤول الذي يجمع بين قوة الشخصية ورجاحة العقل.
لم تكن قوة جالو أبو موسى في الصخب أو استعراض النفوذ، وإنما في شخصية هادئة تعرف متى تتقدم ومتى تترك للأمور وقتها، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره جزءاً من الحياة العامة لا سبباً للصدام. وهي خصلة صنعت له، على امتداد مساره، رصيداً من الاحترام لدى شرائح مختلفة من المجتمع.
ويحظى الرجل كذلك بعلاقة خاصة باللغة العربية والثقافة العربية، وهو أمر يجد تفسيره في جذوره الاجتماعية والبيئة التي نشأ فيها، دون أن يتحول ذلك لديه إلى حاجز أمام الانتماء الوطني الجامع. فالرجل، كما لمسنا من حديثه ومواقفه، ينظر إلى التنوع الموريتاني باعتباره مصدر قوة، وإلى الهوية الوطنية باعتبارها المظلة التي تجمع الجميع، لا عنواناً للمفاضلة بين مكونات المجتمع.
وفي زمن تكثر فيه خطابات الاستقطاب، تبدو هذه الرؤية أكثر أهمية. فجالو أبو موسى من الأصوات التي تدفع باتجاه تهدئة النفوس، ونبذ الخطابات العرقية، وتغليب منطق المواطنة والانسجام الوطني على الحسابات الضيقة. وهو خطاب لا يكتفي بالتنظير، بل يتكئ على تجربة رجل عرف الإدارة من الداخل، وخبر المجتمع من خلال مواقع المسؤولية التي شغلها في مناطق متعددة من البلاد.
وقد كان لنا شرف اللقاء به في مقامة علي هامش مهرجان ( ياروبالي) العريق ، فخرجنا بانطباع واضح عن رجل يحمل حساً وطنياً لا يحتاج إلى كثير من التفسير؛ حديثه منصب على ما يجمع الموريتانيين، وعلى ضرورة أن تتجه الجهود إلى كل ما يعزز استقرار البلاد ووحدتها وانسجامها.
ومن موقعه الاجتماعي والوطني، يظل جالو أبو موسى حاضراً في المشهد العام بهدوء، مؤطراً مساحات واسعة من محيطه دون ضجيج، ومؤمناً بأن التأثير الحقيقي لا يقاس بكثرة الظهور، وإنما بقدرة الرجل على جمع الناس حول القضايا الكبرى.
وفي اختياره دعم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يرى جالو أبو موسى في مشروعه السياسي نموذجاً للقيادة الهادئة القائمة على التروي والرؤية بعيدة المدى، ويعتبر أن مرحلة البلاد تحتاج إلى التهدئة والحوار والحكامة الرشيدة، لا إلى إعادة إنتاج الصراعات والانقسامات.
إن قيمة جالو أبو موسى اليوم لا تختصر في المناصب التي تقلدها، ولا في السنوات التي أمضاها في الإدارة، وإنما في رصيد رجل اختار أن يجعل تجربته في خدمة الانسجام الوطني. رجلٌ جمع بين صرامة الإداري، وحكمة السياسي، وهدوء الرجل الذي يعرف أن بناء الأوطان لا يتم بالصوت المرتفع، وإنما بالعقل، والصبر، والقدرة على جمع المختلفين حول ما يخدم موريتانيا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في مسيرة هذا الرجل أن حضوره لم يكن منفصلاً عن جيل جديد من الكفاءات التي تربت في كنفه، وفي مقدمتها ابنته السيدة هاوا جالو أبو موسى، التي تواصل حضورها في المجال العام، بما يجعل تجربة الأب امتداداً إنسانياً ووطنياً في جيل الأبناء.
هكذا يظل جالو أبو موسى واحداً من أولئك الرجال الذين صنعتهم الدولة، وصقلتهم الإدارة، ووسعتهم التجربة؛ قوة بلا صخب، وحكمة بلا ادعاء، ووطنية تتسع للجميع.
الوزير والاداري السابق جالو أبو موسى.. مسيرة رجل جمع بين قوة الشخصية ورجاحة العقل / نوح محمد محمود

