..وفي ظل نقد "خجول" لا يمنح التجارب الجديدة شرعيتها، تميل الكفة إلى منطقة الأمان، حيث تتكرر العناوين ذاتها وتستقر الدلالة في مجال واحد..
تفضي ملاحظة مباشرة ومعايشة إلى تسجيل ظاهرة لافتة في الشعر الموريتاني وتتجلى في وفرة حقل دلالي بعينه في عناوين عدد معتبر من القصائد والدواوين، يقوم على مفردات الآصال، الغروب، الليل، العتمة، الخفوت، الرياح، الإبل، والمضارب. وإذ ليس الأمر مجرد تنويع لغوي عابر، بل تكرار يكشف عن شبه "تحبب" دفين بإيحاءات هذه الألفاظ، وعن ميل جمالي يختار الضوء المنكسر إطارا ثابتا للتعبير وتعلقا بالرتابة بدل سرعة الإيقاع.
هذه الوفرة في العناوين ـ بوصفها عتبات نصية تؤطر التلقي ـ ينقل القارئ سلفا إلى أجواء من الانحسار والسكون، ويؤسس أفقا توقعيا يميل إلى التأمل الشجي أكثر من الانكشاف الفاعل. ومع التكرار، تتحول هذه الاختيارات من إمكان تعبيري إلى نمط مكرس، يرسخ ذائقة تستسيغ الخفوت وتعيد إنتاجه.
وبالطبع فإن هذا لا يقرأ خارج سياقه الثقافي، إذ له جذور في تراث رمزي طويل منح الليل وأطراف النهار قيمة تأملية خاصة. غير أن الإشكال يبدأ حين يصبح هذا الميراث مرجعية وحيدة، وحين تستعاد مفرداته بوصفها ضمانة جمالية لا مادة قابلة لإعادة القراءة. عندها ينكمش أفق المغامرة، وتضيق المسافة النقدية بين الشاعر وما يرثه.
أما الحداثة، فلا تبدو هنا مرفوضة بقدر ما هي مؤجلة أو ملتبسة. فقد تظهر أحيانا كخطر على الاعتراف، أو كفضاء لا تتضح معاييره. وفي ظل نقد "خجول" لا يمنح التجارب الجديدة شرعيتها، تميل الكفة إلى منطقة الأمان، حيث تتكرر العناوين ذاتها وتستقر الدلالة في مجال واحد.
كما تسهم البنية الاجتماعية بدورها في تثبيت هذا الميل، إذ يظل الشعر مرتبطا بوظائف تقليدية تفضل الاستقرار على المغامرة، وتكافئ المألوف أكثر مما تحتفي بالاختلاف، فتتآزر عوامل الذائقة والمرجعية والنقد لتبقي هذا الحقل الدلالي في موقع الصدارة.
غير أن موضع المساءلة ليس حضور الليل والآصال والناقة والمضارب والخيمة في ذاته، بل طغيانها بوصفها لحظات ظل وسكون وجمود سلبي، حين لا يتولد عنها ما يلائم العصر من حركية وأنوار ووضوح في الرؤية. فالقيمة الجمالية للشجن لا تقاس بكثافته، بل بقدرته على التحول من خفوت إلى كشف، ومن عتمة إلى بصيرة ومن سكون إلى حركية. وإذا لم يؤد هذا التراكم إلى إضاءة الطريق أمام التجربة، بقي يدور في حلقة انغلاق، يعيد إنتاج الحسرة بدل أن ينتج معنى.
من هنا، تبدو الحاجة إلى إعادة توظيف هذا الرصيد الرمزي لا إلى هجره، بأن تتحول العناوين من استدعاء تلقائي لإيحاءات الخفوت وشبه الجمود إلى اختيار واع يعيد شحنها بدلالات تستوعب قلق الحاضر. فالليل يمكن أن يكون مختبرا للرؤية لا ملاذا للانسحاب، والغروب لحظة مراجعة لا خاتمة للمعنى وبعض السكون استعدادا للانطلاق لا جمودا قدريا.
وفي حدود المتاح من زمن "حاضر" يحتضن إرهاصات "المستقبل"، يبقى الأفق معقودا على قدرة الشعر على تحويل هذا التكرار إلى توتر خلاق، ليخرج من سكونه دون أن يفقد عمقه، وأن يصوغ من شجنه ضوء يليق بعصر تتكاثر فيه الأسئلة بقدر اتساع إمكانات الجواب.
وفرة عناوين الخفوت في الشعر بين الشجن وضعف إنتاج الضوء/ الولي سيدي هيبه

