ظلت المرحلة الانتقالية لعام 2005 واحدة من أكثر محطات الحكم التي واجهت الطمس والنكران رغم أهميتها، ومع صدور كتاب سيدي محمد ولد بوبكر الأخير، يُفتح الستار مجدداً على شهادة من الداخل تكشف كيف تلمست البلاد طريقها للنجاة من حافة الهاوية، وهو ما يتطلب قراءة عميقة لهذا الكتاب.
القراءة التي بين أيديكم ليست مجرد مراجعة لكتاب، بل هي استرجاع لزمن عاصف كنا فيه جزءاً من المشهد، ورأينا فيه كيف أديرت الرهانات الداخلية والخارجية لإنقاذ وطن.
من الطبيعي أن أكون من أول من وصلهم كتاب سيدي محمد ولد بوبكر: «أخي العزيز؛ إنه تعبير واقعي جداً في حالتنا».
كنت قد قرأت بعض فصول الكتاب، وإن كنت أحفظها عن ظهر قلب نتيجة لانصهاري في تلك المرحلة، فقد كنت فاعلاً فيها لكن خلف الأبواب. فجاءني سفر استثنائي وتركت الكتاب، رغم أني أحضرته ضمن أغراضي، ونصيحتي أن لا تتركوا غيركم يرتب حقيبة سفركم.
الحقيقة أني لست الوحيد من ينتظر الصدق والموضوعية في عمل يحمل توقيع السيد سيدي محمد ولد بوبكر.
لقد أتقن صاحب الكتاب نكران الذات وهو يتحدث عن نجاحات مهمة تحققت بالاستقامة؛ إنه يؤكد أنه خلال مساره (ثلاثين سنة) -والذي مر به بجميع الوظائف السامية في البلد- لم يستخدم لأي من تلك الترقيات أسلوب الوساطة ولا المحاباة، وهذا يفيد بأن هناك طريقة أخرى لو سلكها أبناء البلد لقُضي على مبدأ الوساطة والمحاباة، حيث يقول في التمهيد: "...ثم فتحت أمامي أبواب الوظيفة العمومية وسمحت لي بالتدرج في المناصب دون حاجة لوساطة ولا محاباة.. وقد تقلدت تباعاً، وأحياناً أكثر من مرة، منصب رئيس مصلحة، ومدير، ووزير، وسفير، ووزير مدير ديوان الرئيس، وأمين عام الرئاسة، ووزير أول، وفي كل مرحلة من هذه المراحل كنت محظوظاً بالعمل مع جيل من الرجال والنساء المتميزين مترجمين فئات المجتمع... انتهى الاستشهاد".
إنها في الحقيقة تجربة واسعة لم تغادر أي موقع من مواقع القرار المهمة في البلد.
كان الكتاب، وهو يحمل صورة ناصعة لسيدي محمد وغلافاً أخضر بهيجاً، يريد أن يلقي بظلال خاصة على المضمون. لقد أعاد بذلك الحديث عن حصيلة لا تكاد تُذكر في مسار البلد رغم أهميتها، ومع أنها أنقذت موريتانيا مثلما أنقذها انقلاب 1978، حيث دُكت حصون العاصمة نواكشوط، التي تبعد 2000 كيلومتر تقريباً عن الحدود الشمالية، في حرب بالوكالة (حرب الصحراء)، ياله من قرار!!!
لكن كيف أنقذ انقلاب 2005 موريتانيا من الهاوية؟
حتى وإن لم يعترف معاوية بالفضل للانقلابيين، فلم يكن يتوقع نهاية أحسن من هذه! فكلا الرجلين وضع البلد في مأزق.
المرحوم المختار، حينما اجتمع بقائد جيشه المرحوم المصطفى ولد محمد السالك، الذي أخبره بأن معنويات الجيش منهارة وإمكانياته ضعيفة، وأنه لا يمكنه مواصلة الحرب، أجابه المختار أنه سوف يستمر في الحرب ولو بقي معه جندي واحد، وهو بذلك يعرف أن هذه نهاية حكمه.
ومعاوية يعرف أن عمليات تتبع الإسلاميين بعد عملية لمغيطي، بتمويل من رجال الأعمال، هي أيضاً نهاية نظامه حتى وإن لم يقبل.
ينضاف إلى ذلك أن مخزون البلد من العملة الصعبة حينها كان 50 مليون دولار فقط، وكانت موريتانيا معزولة، وكان الوضع الداخلي في قمة الانسداد، وكانت صورة موريتانيا ضعيفة جداً في أوساط المال.
لكن السؤال الوجيه الذي طُرح مرات: ألم يكن سيدي محمد ولد بوبكر حاضراً حينها؟ نعم، كان حاضراً، لكن الجواب أيضاً حاضرٌ في مساره أولاً، وفي جواب سيدي محمد في التمهيد: "...من خلال المناصب التي شغلتها ساهمت مع معظم أطر جيلي في ضمان استمرارية الدولة رغم تغير الأنظمة...".
سيدي محمد كما عرفته
لقد كنت مدافعاً كبيراً عن هذه المرحلة، مع أني كنت أمازح المرحوم إعل وكذلك سيدي محمد بعد نهايتها بأنهما ذهبا وتركاني وراءهما صفر اليدين.
والحقيقة أننا لم نناقش كثيراً قضية المزايا، مع أن طريقي كانت سالكة إليهما كليهما، فكنت كلما اتصلت بالرئيس إعل -وذلك دائماً بعد الدوام طلباً للقائه- يمهلني مسافة الطريق فقط، وكنت كلما اتصلت بسيدي محمد يرفع السماعة تلقائياً، كما لم أكن أحتاج لموعد للمنزل، وقد خلق لي ذلك مشكلة فيما بعد مع المتأخرين.
لقد سمح لي ذلك بأن أعرف الكثير من خلفيات القرارات، وجعلني شاهداً على الكثير من القضايا خلالها.
الرهانان الداخلي والخارجي
إن المرحلة الانتقالية، مهما كنا معها أو ضدها، كانت عملاً مميزاً وجهداً جباراً، والأهم من ذلك أنها جاءت في الوقت المناسب، والمناسب تماماً.
لقد سألت المرحوم إعل ولد محمد فال حينها: هل كنت قد فكرت في الانقلاب قبل هذا؟ أجابني: "عندما ذهبت ضحى يوم انقلاب 2003 وأنا متوجه إلى المنطقة العسكرية السادسة، مررت بالطريق الذي يؤدي بجانب سوق العاصمة وشاهدت النهب ولا يوجد أي شيء يرمز للدولة، فهمت أنه لا بد من بناء دولة المؤسسات".
لقد كان العمل الأهم والأصعب هو كسب الرهانين الداخلي والخارجي: العودة بالأمل للمواطن في بلده، والعودة بالثقة للبلد من طرف الخارج. ويتطلب المساران عملاً استثنائياً وإصلاحات جوهرية وتفجير وضعيات عديدة.
يقول سيدي محمد كانت تلك الأيام (الأيام الأولى من المرحلة الانتقالية):
"...بداية مرحلة صعبة وحقبة مليئة بالتحديات حيث كانت كل خطوة محسوبة بدقة وكل قرار كان يمكن أن يحمل تبعات جسيمة على مصالح البلد ومستقبله...".
ويضيف :
"...استقبلت بوقت قصير من تشكيل الحكومة السفير الأمريكي الذي جاء ليجدد لي بلغة عربية فصيحة إدانة الولايات المتحدة للانقلاب العسكري... وأخبرني أنه نقل رسالة إلى الرئيس إعل ولد محمد فال من مستشارة الرئيس بوش المكلفة بالشؤون الأفريقية تطلب حل المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع... وقد نقلت نفس الرسالة مرفقة بتهديدات بفرض عقوبات محددة على كبار المسؤولين...".
ويضيف سيدي محمد :
"لا أنكر أن لهجة خطاب السفير فاجأتني سواء من حيث المضمون أو الشكل... وللنجاح في هذا التحدي كانت حكومتي مطالبة ليس فقط بالحصول على تزكية جميع القوى السياسية والاجتماعية لبرنامجها الانتقالي، بل أيضاً بتنظيم سلسلة انتخابات في زمن قياسي تكون نتائجها مقبولة من طرف الجميع داخل وخارج البلاد... لكني سرعان ما اكتشفت أننا أمام تحدٍّ آخر لا يقل أهمية وهو إصلاح الوضع الاقتصادي... وباختصار كانت الصورة قاتمة والمهمة تبدو شبه مستحيلة. انتهى الاستشهاد".
قد كان الوضع أصعب وأكثر ازدحاماً بالملفات المتفجرة وبالشكوك وعدم اليقين من التصور، لكن المرحوم إعل كان جاداً جداً في برنامجه. سألته مرة: كيف يمكنكم تفجير الحزب الأقوى في البلد من دون بديل؟ فأجاب: «إذا لم نفعل ذلك فلماذا الانقلاب؟ نحن نريد إعادة ترتيب الأمور…».
شهادة في حق رجال المرحلة
قدم للكتاب: السيد الشيخ سيدي أحمد ولد باب مين.
ومرة كنت مع المرحوم سيدي ولد الداهي، وهو والد وصديق كبير، ولم أكن لأجرؤ على هذه العبارة لولا أنه كان يقولها. كنت دائماً آتيه لأستقي بعض الحكم وأستنير ببعض نصائحه.
قال لي مرة: «أوصيك ألا تكون في عجلة من أمرك على أي شيء في هذه الدنيا، خاصة في نواكشوط، فأهلها مثل حاطبي الليل، لا بد له أن يتأذى من لدغ أو وخز».
والحقيقة أن قليلاً جداً من الناس لم يكونوا حاطبي ليل، وربما يكون الشيخ سيدي أحمد واحداً منهم كما يفيد بذلك مساره. إن تقديمه لهذا الكتاب أعطاه بعداً آخر مؤطراً للمصداقية، لكنها أيضاً شهادة من الداخل، فقد كان رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات التي تمت بتزكية جميع الفرقاء. ويقول الشيخ سيدي أحمد في هذا التقديم: "...وحتى ختام الانتخابات الرئاسية وهي الاستحقاق الحاسم في المسار الانتقالي لم يسجل أي طعن في النتائج، لا في الدور الأول من قبل المترشحين التسعة عشر، ولا في الدور الثاني من طرف أحمد ولد داداه، بل إن هذا الأخير سارع بعد ساعات قليلة من إعلان النتائج الرسمية إلى الاعتراف علناً بفوز منافسه، وبهذا التصرف المسؤول ساهم في تقديم نموذج راقٍ للانتقال الديمقراطي...".
ويضيف الشيخ سيد أحمد:
..غير أنه بعد عشرين عاماً لا يسع المرء إلا أن يتحسر على إجهاض هذه التجربة الرائدة... ولعل هذا العمل القيم للوزير الأول الأسبق سيدي محمد ولد بوبكر يساعد أصحاب القرار والباحثين على استخلاص الدروس من هذه التجربة الواعدة التي أحبطت في مهدها... انتهى الاستشهاد".
كنت مع مناضلين كبار، وقد أسسنا مجموعة الميثاق نهاية 2018، من بينهم السيد دفالي، والشين، والمصطفى سيدات، والدكتور الشيخ ولد حنن، والدكتور ديدي ولد السالك، ومحمد الأمين ولد الفاظل، والشيخة المعلومة بنت الميداح، وانضمت لها شخصيات كبيرة من وزراء سابقين وسفراء ومديرين وشيوخ وسياسيين وصحفيين أكفاء وغيرهم (اللائحة طويلة)... وكنا ضمن تفكير واسع لرص صفوف الطيف المعارض في مبادرة من أجل توحيد الأطر النظرية والعملية المعارضة في خوض غمار الاستحقاقات اللاحقة ومواجهة ولد عبد العزيز ومرشحه، كنا أيضاً نبحث عن شخصية وطنية يمكنها أن توحد المعارضة أو أغلبها خلف مرشح واحد.
وبعد عرض بعض الأسماء توجهت إلى الشيخ سيدي أحمد بعد مشاورات مصغرة وناقشت معه الموضوع، فقال لي: «أنا لا أملك طموحاً شخصياً، لكني مستعد عندما أكون حلاً للجميع أو خياراً عند المعارضة».
ما يقوله الكتاب وما لا يقوله
تحدث الكتاب في بعض الفصول عن الإصلاحات الهيكلية الدستورية والسياسية وفي مجال الصحافة والإعلام، كما تحدث عن إصلاحات هيكلية اقتصادية ومراجعات كبرى في مجال المعادن والثروة واسترداد الحقوق وتطوير للاتفاقيات.
يقول سيدي محمد:
"...وقد انبثقت فلسفة الإصلاحات الدستورية من قناعة راسخة بأن الاستبداد والتشبث بالسلطة من الأسباب الرئيسة لانحراف التجارب الديمقراطية في إفريقيا، واستندت التعديلات الدستورية المقترحة إلى تجربة تمتد لأكثر من عقد من الزمن في ظل ديمقراطية أصبحت مع مرور الوقت شكلية...".
ويضيف:
"وتركزت التعديلات الدستورية على أربع نقاط: تقليص الولايات الرئاسية إلى خمس سنوات بدل ست سنوات.. كما حددت السن القصوى للمترشحين لمنصب الرئيس بـ 75 عاماً... وعدم جواز الجمع بين منصب رئيس الجمهورية وأي منصب آخر... كما أن رئيس الجمهورية لا يمكن إعادة انتخابه إلا مرة واحدة، وعن امتناعه عن أي تعديل للأحكام المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية... انتهى الاستشهاد".
وفي مجال العدالة يقول:
"وقد كانت سلطات المرحلة الانتقالية مقتنعة بأن من أهم الشروط التي ينبغي توفيرها لمواجهة التعسف والانتهاكات التي تطال الحريات العامة هو تحقيق الاستقلال الفعلي للقضاء... وقد تم اعتماد أمر قانوني بهدف تعزيز ضمانات استقلال القضاة... انتهى الاستشهاد".
ويقول الكاتب في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة:
"مكنت الإصلاحات التي أجريت في مجال الحريات العامة خلال المرحلة الانتقالية كل المواطنين الموريتانيين من ممارسة حريتهم في التعبير والتنظيم... وفي 15 ديسمبر 2005 أشرفت على تنصيب اللجنة الوطنية الاستشارية لإصلاح الصحافة والسمعيات البصرية.. وبناء على توصيات اللجنة اعتمد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الأمر القانوني الذي ألغى المادة 11 نهائياً... انتهى الاستشهاد".
أما بالنسبة للوضع الاقتصادي الذي كان أحد أهم المشاكل تعقيداً وسوءاً، يقول:
"أما بالنسبة لاحتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي فلم تتجاوز قيمته منذ سنوات عديدة حدود 50 مليون دولار.. ونظرا إلى هذه المعطيات المقلقة فقد أصبح تصحيح الوضع الاقتصادي في نظري أولوية لا تقل أهمية عن مسار الانتقال الديمقراطي ذاته...".
ويضيف في شرح تعافي الوضع :
"استحوذت سياسة التقويم الاقتصادي التي أطلقت في أغسطس 2005 على جانب كبير من جهود الحكومة، وأسفرت في غضون فترة قصيرة عن نتائج جد إيجابية على مستوى الاستقرار الاقتصادي الكلي وتعزيز الإصلاحات الهيكلية. وبالمقارنة مع الفترة الممتدة من 1999 إلى 2004 تعد الإنجازات الاقتصادية والمالية التي حققتها موريتانيا في عام 2006 الأفضل على الإطلاق، لاسيما من حيث معدل النمو الذي بلغ 11.7% والفائض الإجمالي في الميزانية الذي تجاوز 35% من الناتج المحلي الإجمالي.. وقد أسهم تحصيل إيرادات معتبرة في تحقيق فائض كبير في ميزانية 2006، من أبرزها بيع الرخصة الثالثة للهاتف المحمول التي بلغت 103 ملايين دولار، أي ما يناهز ستة أضعاف المبلغ المدرج في التقديرات الأولية للميزانية، يضاف إلى ذلك علاوة استثنائية قدرها 100 مليون دولار تم الحصول عليها في إطار تسوية النزاع مع شركة وودسايد، فضلاً عن التعويض الذي حصلت عليه الدولة بموجب امتيازات اتفاقية الصيد الجديدة الموقعة في يوليو 2006 مع الاتحاد الأوروبي".
ألم تكن هذه الأمثلة القليلة إنجازات عظيمة، وفي ظرف وجيز ووقت قياسي وبجهد استثنائي مضنٍ؟
لم أره غاضباً مثلما رأيته بعد خطاب الزين ولد زيدان، الذي ذكر أرقاماً مخالفة لما ورد في كتاب الحصيلة النهائية للمرحلة الانتقالية، الذي تم تداوله عشية انسحابهم من الحكم.
ولعلها المرة الوحيدة التي طلب فيها، بشكل فوري واستثنائي، لقاء المرحوم الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله، إذ كان يريد أن يصحح وزيره الأول تلك التصريحات التي يعتبرها تنكراً من الدولة لجهدهم المضني للوصول بالبلد إلى هذه المرحلة من التعافي والمصداقية والتعهدات الدولية بمرافقة موريتانيا ومتابعتها في برامجها الإنمائية الجديدة.
والحقيقة أن ذلك التصريح كان سيبدد الكثير من الثقة الدولية والتعهدات، وكأن المعلومات التي وزعت كانت مغلوطة وهو خطأ فادح؛ فلم تصدق السلطات كيف قبل البنك الدولي بالعودة للتعامل معهم بعد العثور على أنه كان يتلقى أرقاماً ومؤشرات مغلوطة عن قصد.
لقد حظيت تلك المرحلة، والحق يقال، بانفتاح وراحة نفسية، تماماً مثل نهج ولد الغزواني في التهدئة بعد إحدى عشرة سنة من الشطط.
وجوه من الذاكرة
مرة كنت خارجاً من عند سيدي محمد، والتقيت المرحوم عبد الله ولد انويكظ، الذي تربطني معه علاقة خاصة، وكان كلما التقينا يوجّه إبهامه نحوي قائلاً باللغة الفرنسية: "رقم واحد.. هيكل كيف حالك". قال لي: «أنا ذاهب إلى صديقك، الحقيقة عن ماهُ امعدّلِّ شِ، يغير ألا قاهرن مؤلان إعليه».
لقد حاول الكتاب قول كل شيء، لكنه لم يقل الأهم بصفة دقيقة، وهو صعوبة إنجاز كل ذلك وما تطلبه من الجهد المضني.
كنت كلما مررت على صديقي العزيز محمد ولد معاوية في مكتب مدير ديوان الوزير الأول بعد نهاية الدوام -وهو في آخر الجهد- أقول له: كيف الحال؟ فيقول: كما تراه، ويشير إلى الملفات وعثاكل البشر في الداخل وفي الرواق، ونتبادل ضحكات عميقة. لقد كانوا في الحقيقة جديين وجديرين بالتقدير.
في أحد اللقاءات بوزير المالية حينها وهو أخ وصديق، عبد الله ولد سليمان ولد الشيخ سيديا، طلب مني أن أتعهده كل أربعاء لنقاش بعض الأمور. وكنت كلما دخلت عليه وجدته يتوسط أكواماً من الملفات، وهواتفه كلها ترن ملء حنجرتها، ولم يتاح لنا أن نمضي أكثر من دقائق معدودة.
نفس الشيء كان وضع سيدي محمد ولد سيدين وزير الصيد، ومحمد ولد العابد وزير الاقتصاد، وعثمان كان محافظ البنك المركزي الذي تم تعيينه بقليل قبل نهاية المرحلة الانتقالية، والذي كان يؤرقه فيما بعد موضوع "باسم بنك" حيث يصر على أنه لن يترك بنك "باسم" في عهده لأن ذلك سيضر بسمعة البلد ويؤثر على مساره، وغيرهم قد كانوا كلهم يقومون بجهود استثنائية من أجل الوطن.
كان الضغط كبيراً جداً، وكانت ملفات البلد كلها مفتوحة. لقد كان الوزير الأول حاضراً في ذلك وينسقه. لقد كانوا في الحقيقة أشبه بسباق عدائين يسابقون الزمن.
الخلاصة:
أن هذا الكتاب هو شهادة تاريخية لا غنى عنها لقراءة الماضي وفهم الحاضر. لقد فتح سيدي محمد ولد بوبكر بصفحات كتابه طاقة كبيرة لنقاش وطني طال انتظاره حول مرحلة أدارت المستحيل بساعات عمل لا تنام. وإن كانت الحقائب قد ترتبت بأيدي غيرنا في أسفارنا الشخصية، فإن حقيبة التاريخ الموريتاني يجب أن يملأها أصحاب الصدق والموضوعية لتبقى الأجيال القادمة على بينة من أمرها.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار

